ما هي أزمة الدوبامين التي يعيشها الإنسان الحديث؟
حينما أقوم بالالتهاء بجوالي بين العديد من التطبيقات المختلفة (الإيميل، وسناب تشات، وتيك توك، وإكس)،
أجدني أعود لها في دوامة مُفرغة في كل مرة، كل ذلك من أجل تمضية الوقت الآني، والابتعاد قدر الممكن عن الواقع الذي كُنت أعيش فيه اليوم بطوله.
فعند ذهابي للمقهى حيث أحتسي القهوة، لا أرفع رأسي عادة إلّا بحركة مفاجئة من الباريستا عند تشغيله آلة القهوة، وفي لحظة وعي عابرة أجد الجميع مطرقي الرؤوس مثلما كُنت أفعل،
ففي ظني بأنهم لم يستطعموا القهوة التي دفعوا مقابلها ولا طبق الحُلو الذي أرادوا من خلاله جرعة دوبامين مخدّرة، وهذا الأمر ينطبق في عديد الأماكن، وأعتقد بأنه مشهد مكرر ولن أزيد الخوض فيه.
ماذا كنت أقوم به خلال الفترة الماضية؟
في الأسبوعين الماضيين عكفت على قراءة كتاب آنا ليمبكي – أمة الدوبامين،
وهو كتاب كنت سعيدًا بقرائته لأنه أوضح لي حجم المعاناة الإنسانية في غايتها الكبيرة للسعي وراء الملّذات،
خصوصًا في هذا العصر الرأسمالي الذي نعيش فيه.
فعند فراغي من الكتاب هُناك ما يحُثُني بشدة لمشاركتك بعض المقتطفات،
بالإضافة إلى بعض قراءاتي السابقة التي قد تُكّمل فكرة آنا ليمبكي أو تنقدها!
ما هي المشكلة التي تعترض الإنسان اليوم؟
في عالم يتسم بالوفرة في جميع الأماكن من (وسائل التواصل الاجتماعي، والإنترنت، والتعليم، والصحة)، ما زال الإنسان اليوم لا تبهجه مثل هذه الحقوق الأساسية التي تكفل له عيش الحياة الكريمة،
فتجده يطلب مزيدًا من الطلب اللحظي لقاء (مقطع إباحي، أو إدمان المخدرات، أو تعاطي الكحول)، وهنا أذكر موقف حدث لي في الماضي فمن المفارقات العجيبة للغاية بالنسبة لي في سنة الامتياز، وحين اطلاعنا على ملف أحد المرضى،
رأيت في ملف المريض أحد الأسباب التي أدّت به لأن يكون في المشفى،
حيث أن السبب واضح وهو Alcohol overdose أو (الإفراط في تناول الكحول).
هذا التشخيص جعلّني متسمرًا مكاني لثوانٍ معدودة،
فكيف بمواطن أن يكون متعاطيًا للكحول في بلد يمنع مثل هذه الممارسات؟
تلاشت مثل هذه الصدمات عند ممارستي لاحقًا،
حيث تجد العديد من الحالات على هذه الشاكلة بل وأكثر تطرفًا في تناول مختلف الأدوية المخدّرة.
أزمة اللذة والألم
في محاضرة لآنا ليمبكي بعنوان “أفكار الأطباء حول وباء المواد الأفيونية وطرق التحكم بالألم”، أوضحت بأن الإنسان في العصر الحديث يعيش أزمة حقيقية ما بين شعوري (اللذة والألم).
فالنظام الصحي العالمي يتجه بقوة، متسلحًا بالعلم، نحو إلغاء الألم من العالم، وتخدير مثل هذه الأحاسيس عبر أقوى المسكنات الطبية.
ولكن المعضلة الحقيقية أن الإنسان لا يكتفي بجرعات محددة ثم يتوقف، بل إن مستقبلات الجسم الداخلية تعتاد الجرعات التي يتلقاها الجسم البشري،
فتصبح غير مؤثرة، بالتالي يسعى الإنسان لجرعات أكبر تُعينه على تخدير آلامه، وإن كلّفه ذلك في مرحلة متقدمة حياته.
هل الألم بالضرورة شعور بائس ينبغي تجنبه؟
أكثر الناس عُرضة للألم هم من الطبقات الدنيا الأكثر فقرًا، والمعرّضين للصدمات النفسية والصعوبات الإجتماعية والاقتصادية. .
فالممارسة الطبية قبل القرن العشرين كانت تؤيد أن يشعر المريض بالآلام، فقد كان الجراحون في القرن التاسع عشر مترددين في استخدام المواد المخدّرة أثناء إجراء العمليات،
لأن ذلك القليل من الألم سوف يُحفّز الجهاز المناعي بالتالي يُسرّع من عملية الاستشفاء.
وهذا ما تؤيده البراهين المستجدة التي تؤكد بأن استخدام المواد الأفيونية يُؤخر من عملية الاستشفاء للمرضى.
ولكي تتضح لك الصورة
فلو قلنا بأن تناول قطعة من الشوكولا سوف يرفع لك هرمون السعادة المتمثل بالدوبامين بنسبة 50%،
فإن الجنس سوف يكون مقياسه 100%،
بينما تعاطي الأمفيتامين يعني 10 مرات من شعور الرغبة الجنسية!
ولك أن تتخيل حجم الصناعة الدوائية لهذه الفئة من الأدوية اليوم لربحيتها وطلب الناس لها.
ما هو شكل الفراغ الذي سوف يشعر به الشخص خلال السنوات المقبلة؟
في العام 1861م كان الإنسان الأمريكي يقضي جلّ وقته في العمل، بينما قريبًا وفي ظل الوفرة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي،
وفي العام 2040م، سوف تكون عدد ساعات العمل التي يقضيها الشخص هي 3.8 ساعات فقط، هذا يعني بحبوحة من الوقت كبرى
تعطي احتمالية كبرى لأن يكون الإنسان أسير شهواته، وحبيساً لفكرة إدمان الدوبامين الذي يؤدي لمشاعر مصاحبة مؤلمة.
ماذا تذكرت حين قرائتي للكتاب؟
حين تقليبي لصفحات كتاب أمو الدوبامين تذكرت قرائتي السابقة لكتاب الإلمام بالحقيقة لـ”هانس روسلينغ”
فقد ذكر في كتابه أن العالم يزداد تحسنًا من الناحية الكمية، فلم يعد هناك فرق ما بين العالم المُتقدم والنامي،
ليكون شكل العالم أقرب للفئة المتوسطة منه، ما بين (8–64 دولارًا) في اليوم مدخول الفرد باليوم الواحد.
ليكون الإنترنت، والصحة، والتعليم في متناول العديد من دول العالم، حيث أن عالم اليوم يتجه ليكون أكثر تجانسًا من الناحية المادية، ولكن أكثر تفاوتًا من الناحية النفسية.
سبق وأن كتبت نشرة بريدية بعنوان “هل تعتبر الحيادية شرًا محضًا؟ 😈 كيف بإمكان التطرف السياسي تشكيل خياراتنا اليومية!”
لذا، وفي ظل الوفرة التي نحن غارقون فيها، لا نشعر بالسعادة، إنما مشاعر مربكة لا نعرف كيف نتعامل معها.
كيف كان شكل العالم قبل مئة سنة من اليوم؟
لا زال حتى اليوم يخطر في بالي المفارقة العجيبة التي ذكرها جيمس كلير في كتابه (العادات الذرية)، حيث أشار بأن الإنسان انتقل من كونه يرغب بالبقاء إلى كائن لا يعرف حتى اليوم كيف يتعامل مع مشاعر الراحة.
فقبل 100–150 عامًا من اليوم لم تكن هناك الإنترنت، ولا الشاحنات، ولا الطائرات، حيث كان هم الإنسان الأول غريزة البقاء والتوحش،
بل والاعتداء إن لزم الأمر من أجل الدفاع عن نفسه أو بحثًا عن لقمة العيش. لذا تجده يبحث عن مكافأة آنية وليست مؤجلة.
غير أن العالم الحديث اليوم لم يتغير كثيرًا عن عالمه القديم، فما زال الإنسان لا يعرف كيف يتعاطى مع الرغبات المؤجلة (مثل ممارسة الرياضة من أجل صحة أفضل، أو الاستثمار بعيد المدى).
تجده كما السابق يطلب رغبات لحظية ومباشرة من أجل أن يرتاح ضميره ويسعد بلحظة عابرة!
سبق وأن كتبت نشرة بريدية تطرقت فيها لفكرة جيمس كلير بعنوان “ (المؤلمة واللحظية) لها تبعاتها، وهو صراع بشري أبدي، فكيف تختار أحدهما دون ندم؟”
هل هناك علاقة بين فكرتي جيمس وآنا؟
الذي لفت نظري إليه جيمس كلير، يُفسّر المشكلة الحقيقية التي تطرقت لها آنا ليمبكي في كتابها أمة الدوبامين،
حيث أن مشاعر الانغماس المفرط في هرمون مثل الدوبامين لا تجعلنا متوازنين في ضبط مشاعر اللذة والألم.
ما هي الحلول المقترحة إذن؟
تؤمن آنا ليمبكي في كتابها أمة الدوبامين بأن الحل لمشاعر اللذة اللحظية هو مقابلتها بمشاعر مؤلمة من أجل الوصول لعملية الموازنة.
لذا هي تؤيد سعي الإنسان الحديث لأن يُؤلم نفسه بممارسة الرياضة، والتمتع بمزيد من الألم عند
الاستحمام بالماء البارد،
فهاتان الممارستان بدورهما تُحفزان إطلاق الهرمونات أحادية الأمين مثل (الدوبامين، والنورأبينيفرين، والسيروتونين)، والتي بدورها تعطي مكافآت من الشعور بالرضى تساوي تعاطي الحبوب المخدّرة بنسبة 250%.
وهذا ما أيّدته الدكتورة ويندي سوزوكي
عالمة الأعصاب والمحاضِرة في جامعة نيويورك،
في محاضرتها بعنوان “فوائد تحدي الدماغ عن طريق ممارسة الرياضة”، حيث تؤكد بأن التمارين الرياضية تؤثر فعليًا في بنية الدماغ، خصوصا في المسارات المتعلقة بالتعلم والذاكرة والانتباه، حيث أن ذلك من شأنه تعزيز المرونة العصبية (Neuroplasticity)،
بالتالي وفي المستقبل فرص أقل للإصابة بالأمراض التي تؤثر على الدماغ مثل أمراض (الباركنسون والزهايمر) في عمر متقدم.
هل من وجهة نظر أخرى حول الدوبامين؟
أعتقد بأن آنا ليمبكي في كتابها أمة الدوبامين أغفلت عن قصد أو غير قصد النظام العالمي الرأسمالي، الذي يدفع دفعًا لممارسات متعددة من أشكال الإدمان. فهذا الغول الكبير، ممن يملكون وسائل التواصل الاجتماعية،
يؤيدون وبشدة وجود أعداد مهولة من المدمنين لأن ذلك من شأنه ديمومة الاقتصاد العالمي الرقمي.
كذلك، التركيز على هرمون واحد دون غيره وكأن الإنسان مجموعة من الهرمونات، واختزاله في هذه البوتقة دون الولوج أكثر نحو الأسباب الأخرى مثل الخروج من الصدمات وكيفية تخطي الأزمات الاقتصادية،
كل ذلك يجعل من الكتاب وكأنه مصمم للقارئ الغربي وليس لباقي سكان العالم.
ماذا عن البعد الروحي؟
فلو أسقطنا بعض المفاهيم في الدين الإسلامي الذي يحفز على صلة القرابة والزيارة والصبر على المصائب،
فَسَنجد في سورة الزمر:
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
وهذا يعني بأن الصبر على الابتلاء هو من سمات المؤمن الذي سوف يقابله أجر كبير، مما يعني كمالًا وعمقًا إنسانيًا في معرفة المفارقة بين شعور الألم بالصبر عليه،
والسعادة بالشكر عليها.
حتى السيرة النبوية للنبي ﷺ أشارت لذلك،
في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه:
(ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ،
حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ).
فالألم في هذا الحديث تطهير للذنوب، وليس عقوبة على المؤمن.
ماذا عنك عزيزي القارئ؟
ما رأيك في مفهوم اللذة والسعادة في العالم الحديث؟
وهل سبق أن قرأت أيًّا من الكتب التي تطرقتُ لها وأضافت لك؟



ثنائية الألم والمتعة مُعقدة بالنسبة ليّ. فمثلًا، أؤكد على طبيب الأسنان حَقني بالمخدّر. وفي ذات الوقت، أرفض أخذ "باندول" للصداع!
وكذلك اللذة/المتعة، أواجه مشكلة في تقبّلهما في حياتي.
لو أردنا تعميم التجربة، فربما كان لهاثنا خلف الدوبامين دليل أزمة وجودية، أو كما وصفتَها: هرب من الواقع؛ لأننا لا نعلم كيف نتعامل معه.
والمشكلة لا أدري كيف نستعيد السيطرة!
عدد ممتاز بارك الله فيك لمشاركتنا ما تقرأه. وفعلا بعض الألم ضروري ولا شك في هذا العالم