كيف تتحول التوقعات في الحياة إلى أعباء نفسية مؤلمة في مرحلة متأخرة منها؟
أتذكر في إحدى المرات التي كنتُ أتجاذب فيها أطراف الحديث مع الصديق محمد آل ناجي، وإذ به يلفت نظري إلى أمرٍ لم أضع فيه كامل انتباهي من قبل؛ حيث كان صلب الحديث عن مواليد منتصف الثمانينيات حتى منتصف التسعينيات الميلادية، وكيف واجهوا الحياة بمختلف تقاطعاتها من تعليم وعمل وزواج ووالدية، بوصفها مسارات يُفترض أن تحدث بشكلٍ مُحتم في نقطةٍ ما من الحياة.
وقتها لم نكن نسميها حتى توقعات، إنما كنا نراها أمورًا تسير بطبيعتها نحو قدرها المكتوب لها بكل سلاسة.
فلو رجعتُ بذاكرتي إلى أكثر من ثلاثين عامًا، سأجد أنني كنتُ محظوظًا بما يكفي لأن تكفل لي الحكومة حقي في التعليم؛ فنجاحي في الابتدائية، ثم دخولي المتوسطة والثانوية والجامعة، لم تكن إلا مسارات أكيدة وسوف تحدث عاجلًا أم آجلًا، ولم يخطر في بالي، ولا في بال والديّ، أن يتم خذلاني فيها بأي صورة كانت، سواء بالرفض أو غيره “وهذه من النعم التي يستوجب التوقف والتأمل عندها كثيرًا!”.
ففي حقيقة الأمر كانت القضية الكبرى آنذاك من أجل إجابة أسئلة شكلية من قبيل: ما المدرسة التي ترغب بها تحديدًا؟ وما الصف الذي تريد أن يكون فيه زملاؤك؟ بل وحتى أيُّ مقعدٍ سيكون لك طيلة عامك الدراسي، في مقدمته أم مؤخرته!
وكأنك تسير في رحلة فيها وفرة من الخيارات، وما عليك سوى أن تُشير بإصبعك كي يُلبّى طلبك.
لكن، في ظني، أن أولى خيبات الأمل الكبرى التي مُنيتُ بها، ولم تكن خيارًا سهل المنال، كانت رغبتي الشديدة في دراسة الطب، والتي لم يتكلل لها القبول؛ ففي تلك المرحلة تحديدًا أصبتُ بخيبة أمل، سرعان ما تلاشت لاحقًا عند تخرجي من كلية الصيدلة.
لم تكن خيبة كبيرة بقدر ما كانت غريبة في الواقع، وذلك لأن شيئًا كنت أراه طبيعيًا في مسار حياتي لم يتأتَّ له أن يحدث، وهذا مطبّ يسير واجهته ولم ينسحبني معه في دوامة من اللوم والاعتراض المستمرين!
وهذا يدعوني إلى التفكر كثيرًا في مختلف مسارات الحياة التي يظن فيها أفراد المجتمع أنها يجب أن تتحقق، لكي يكونوا بذلك أحد مكونات المجتمع الصالح الذي يتطلع دائمًا إلى الأمام والمضي فيه، لكي يكون معول بناء لا معول هدم.
لكن خلال السنوات العشر الماضية، أصبحنا نرى نماذج متعددة لم تستطع تحقيق النجاح الذي ترجوه؛ فبعضهم درس تخصصًا جامعيًا دقيقًا، وبعد سنواتٍ قضاها في أروقة الجامعة، خرج إلى سوق العمل ليجد واقعًا مختلفًا في تخصص غير مرغوب، أو متشبع، أو تحكمه معايير عالية يتم بموجبها استبعاد المرشحين، وكذلك الأمر فيما يتعلق بأمور الزواج والإنجاب لاحقًا.
هنا بدأت الصورة تتغير، ليس لأن الفرص اختفت، بل لأن الطريق الذي آمنا بحتميته صدمنا بحقيقة أنه لم يعد مستقيمًا كما كنا نظن أنه من المفترض أن يكون.
وهكذا نجد العديد من الأشخاص عاطلين عن العمل، وربما يضعون اللوم على الحركة الاقتصادية أو الاجتماعية أو حتى الجامعة.
ولستُ أميل إلى هذه التفسيرات وحدها، بل أعزو جزءًا من ذلك إلى ضعف الوعي، خصوصًا لدى الوالدين المستقرين، ممن لم يدفعوا أبناءهم نحو الاحتكاك بسوق العمل في مراحل مبكرة، خلال المرحلتين المتوسطة والثانوية، وأمر آخر يتمثل في قابلية الفرد على التشكل والتكيف مع ظروف الحياة، أيا كانت حلوها ومرّها.
لكن حتى هذا التفسير لا يكفي وحده، لأن المسألة أعمق مما يبدو في واقع الأمر.
متى يصبح التوقع عبئًا بدلًا من أن يكون دافعًا؟
في دراسة نُشرت عام 2011 بعنوان «خيبات الأمل في التوقعات وعلاقتها بأعراض الاكتئاب لدى البالغين الشباب»، وهي دراسة مسح طولي وطني، كانت عينة الدراسة ممثلة لشباب مختلف الولايات المتحدة الأمريكية، وشملت فئات متعددة من الأعراق والإثنيات المختلفة.
وقد تم سؤال المشاركين في البحث عام 1979 عن توقعاتهم المستقبلية في سن مبكرة، مثل التعليم والعمل والزواج والوالدية، ثم تمت متابعتهم لاحقًا على شكل موجات متكررة لمدة خمسة عشر عامًا حتى عام 1994، وشارك فيها 12,686 شابًا وشابة.
أي أن الفكرة لم تكن فيما حدث لهم، بل فيما كانوا يتوقعون أن يحدث.
وكان المحرك الأساسي للبحث هو الإجابة عن سؤال: كيف تؤثر التوقعات غير المحققة في مراحل الحياة المبكرة على الصحة النفسية لاحقًا؟ وهل يرتبط عدم تحقق المسارات المتوقعة لديهم في التعليم والعمل والزواج بزيادة أعراض الاكتئاب؟
وقد وجدت الباحثة أن هناك مرجعية عقلية وتصورًا ذهنيًا عن الكيفية التي يجب أن تبدو عليها صورة الشاب أمام نفسه والآخرين خلال مرحلتي المراهقة وبداية الشباب، تقوم على ضرورة تحقيق أساسيات الحياة من تعليم وعمل وزواج.
فإذا لم يتحقق أحدها، فإن الأثر لا يكون لحظيًا بالضرورة، بل قد يمتد عبر الزمن، ويؤثر في الفرد في مراحل لاحقة على شكل أعراض قلق واكتئاب نفسي، نتيجة ثقل عدم تحقيق المبتغى، والضغط الاجتماعي الذي يُمارس عليه الفرد.
وعندما تنظر إلى الأرقام في البحث، تبدأ الفكرة تأخذ شكلًا أوضح من ذي قبل.
فبالحديث عن التعليم، نجد أن 43% من العينة البحثية حصلوا على تعليم أقل مما توقعوه، مقابل 17% تجاوزوا توقعاتهم، بينما حقق 40% توقعاتهم كما هي.
أما فيما يتعلق بالعمل، فقد توقع 94% من المشاركين أنهم سيعملون، إلا أن 11% لم يجدوا عملًا كما توقعوا، و18% كانوا خارج سوق العمل تمامًا.
وبالنسبة للزواج، فإن 27% لم يحققوا ما كانوا يتوقعونه، بينما سارت حياة 65% وفق ما رسموا لها، في حين أن 28% ممن توقعوا الإنجاب لم يتحقق لهم ذلك خلال الفترة المتوقعة.
المفارقة أن الواقع واحد تقريبًا، لكن وقعُه ليس كذلك على الجميع؛ فقد تختلف استجابة فردين اختلافًا جذريًا رغم تعرضهما للظروف نفسها، تبعًا لاختلاف ظروفهما الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي مروا خلالها.
وقد خلصت الدراسة إلى أن نسبة كبيرة من الأفراد لم تتحقق توقعاتهم في التعليم والعمل والزواج والإنجاب، وأن هذه الفجوات ارتبطت إحصائيًا بارتفاع ملحوظ في أعراض الاكتئاب لاحقًا في حياتهم.
كيف يمكن التقليل من وطأة هذه المشاعر؟
لا شك أن عدم تحقيق ما يرسمه الإنسان في مخيلته يُعد أمرًا محبطًا، وقد لا يكون الفرد وحده المسؤول عن هذا الإحباط؛ إذ قد يكون للوالدين والأهل والمجتمع دور أكبر في تضخيم هذه المشاعر والتعامل معها بوصفها مصيبة أو إخفاقًا كبيرًا يُوصم بها الفرد بأنه عالة على نفسه وأهله.
وفي ظني أن الحل لا ينبغي أن يكون مسؤولية المدرسة وحدها، بل يبدأ من الأسرة؛ عبر إخراج الأبناء من التصورات الحالمة، وإشراكهم في مراحل مبكرة في أنشطة وتجارب تصقل مهاراتهم، وتُلاحظ فيها ميولهم الحقيقية وتجاربهم الفريدة من نوعها.
ومع الوقت، يصبح الشاب أو الشابة أكثر وعيًا بقدراته وسماته المميزة، مما يتيح له الدخول إلى سوق العمل في سن مبكرة، واكتشاف الواقع كما هو، دون تزييف.
وفي ظل تسارع الذكاء الاصطناعي، وانتشار أنماط التعلم عن بُعد، أرى أن المهارات ستكون حجر الأساس في مستقبل الأفراد، وقد يصبح من الطبيعي أن يكون الإنسان عضوًا فاعلًا في المجتمع في سن مبكرة، بين 15 و20 عامًا بدلًا من أن يكون كذلك في مراحل متقدمة كما هو اليوم في أعمار 24 و28 سنة.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في توعية الأبناء بأهمية الاستقلال المبكر، وضرورة المنافسة التعليمية في المجالات التي يميل إليها كل فرد، لتجنب أخطاء سابقة صنعتها حقبة زمنية مختلفة، وقد يعيد تشكيلها أو ينهيها عصر جديد ومتطور تقنيًا، إذا ما أدرك الآباء والمجتمع والحكومات طبيعة هذا التحول وفطنوا لتغيراته المتسارعة مبكرًا.
أحيانًا لا تكون المشكلة في أن الطريق لم يكن يسيرًا، بل في أننا كنا نراه طريقًا واحدًا من الأساس لا انعواج فيه، دون أن ننظر إلى مختلف الخرائط والجبال والسهول والوديان، والتي قد تكون طريقًا مناسبًا لأحد ما ووعرًا عند الآخر!
فهل كل ما طمحنا إليه مما نريده قد تحقق بالفعل؟ أم أننا ما زلنا نلقي باللوم على آخرين دون أن نتولى بالفعل مسؤولية قدرنا وإعادة تشكيله وفقًا لما يميزنا بالفعل؟
المرجع
Mossakowski, K.
Unfulfilled expectations and symptoms of depression among young adults (2011)
🔗 https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0277953611003777



طرح رائع دكتور عبد العزيز
أعتقد أن أحد الجذور العميقة لما طُرح في المقال هو “الانتقال بين الأجيال”. فالأجيال السابقة عاشت مسارات شبه مستقرة وواضحة، التعليم ثم الوظيفة (غالبًا الحكومية) ثم الزواج، وكانت هذه المحطات تحدث في توقيت متقارب وبشكل شبه مضمون، لذلك لم تكن تُرى كتوقعات بقدر ما هي “مراحل عبور طبيعية”.
لكن مع تغيّر الواقع وتسارع التحولات، لم يتأخر تغيّر الفرص فقط، بل تأخر أيضًا وعي المجتمع بهذا التغيّر. وهنا تحوّلت نفس تلك المسارات من كونها تجارب عاشها السابقون إلى معايير يُقاس بها اللاحقون، فأصبحوا مصدر ضغط إضافي.
المشكلة ليست في التوقع بحد ذاته، بل في صلابته. عندما يُرسم الطريق بشكل خطّي ومُحكم، ثم ينهار فجأة أو يُفرض تغييره بفعل ظروف خارجة عن الإرادة، يصبح الاصطدام قاسي، ومن الطبيعي أن تظهر معه مشاعر الإحباط، بل وحتى أعراض نفسية كالاكتئاب.
ربما نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف “المسار الطبيعي”، ليكون أكثر مرونة، وأكثر اتساع لاحتمالات متعددة، لا طريق واحد إذا تعثّر انتهى كل شيء.
https://alghoai.substack.com
ده لينك حسابي ا.عبدالعزيز اتمني تشرفني باشتراكك .انا بتكلم في شرح ادوات ومقارنات ذكاء اصطناعي . ومع انه مش مجالي الاصلي بس بحاول اتعلم لانه بقي مهم جدا.