كيف كانت رحلتي مع الكتب في عام 2025 م ؟
أعتقد بأن قراءتي في عام 2025م كانت أقل مقارنة بالسنوات التي سبقت وتلت دراستي للماجستير، ولكني ما زلت أرى بأن أفضل طريقة للقراءة ناسبتني هي الأخذ بفكرة القليل المتواصل، وهو معدل 10–15 صفحة في اليوم الواحد، والذي قد يزيد إن كان الكتاب رواية أو سيرة ذاتية، وينقص إن كان فكريًا ثقيلًا.
المهم أن يكون النهار للكتاب الورقي، بينما وقت ما قبل النوم مخصص لجهاز كندل، الذي يساعدني على أن أغطّ في نوم هانئ وسريع. في هذه المقالة سأشاركك قراءتي للكتب في عام 2025م، فربما يكون أحدها مما ستقوم باقتنائه خلال زيارتك لمعرض الكتاب القادم الذي تنوي الشراء منه.
كتاب التأثير: علم نفس الإقناع:
هذا الكتاب سحرني بتدفّق أفكاره، ففيه قام سيالديني بسردٍ يخبرك من خلاله كيف يقول المستهلكون كلمة «نعم»، وعن طريقه ستستفيد العديد من الدروس التي قد تساعدك على النجاح في مناحي حياتك المختلفة. أتذكر الفصلين الأولين اللذين يشرح فيهما سيالديني فكرة التباين، بقوله: إن قمت بعرض منتج يحتاجه العميل بسعر 1500 ريال، فإنه لن يكون أكثر رونقًا ما لم تُضف إليه آخر بسعر 140 ريالًا.
هنا بالضبط وقعتَ عزيزي العميل في فخ التباين وشراء منتج إضافي، لمجرد اقتناعك بأن 140 ريالًا لا تشكّل فارقًا جوهريًا مقارنة بـ1500 ريال.
كذلك لا يفارق ذهني أفضل موظف في شركة شيفروليه، الذي تموضع في ذهن عملائه حينما يرسل لهم خطابات يهنئهم فيها بعيد ميلادهم السنوي؛ فبهذه الخطوة فقط، ومن خلال تبادل الهدايا، جعله ذلك أكثر الموظفين قدرة على البيع في العالم، لمجرد أنه تعاطف مع العميل وقام بالتواصل معه بحميمية.
ففهمت من خلال الكتاب بأن الإلحاح ومواصلة الظهور في المهارة البيعية أمرٌ ضروري، ويجب أن يكون متواصلًا لخلق تموضع من نوع خاص في ذهن عميلك المستهدف، من أجل أن تكتمل الحلقة البيعية وتحصل على زبون ذي ولاء لك.
كتاب خطة تسويق في صفحة واحدة:
في هذا الكتاب كان لألين ديب مفاهيمه الخاصة في عمليات البيع، فهو يحث على ضرورة معرفة فئتك المستهدفة بدقة من حيث التخصص والعمر والخلفية التعليمية، ومنها أن تزيد من ألمهم بمشاعر الخوف والطمع والجشع.
فليس عليك سوى أن تلوم الاقتصاد والمهارات وضيق الوقت لتبيعهم منتجك، وأن تعيد وتزيد في قيمتك المضافة لتثبت في أذهانهم.
أحد أهم ما تطرّق إليه هو ضرورة التمتّع بعقلية المزارع لا الصياد؛ فالمزارع يؤمن بأهمية الصبر، وبأن الزرع سوف يؤتي ثمره عاجلًا غير آجل، والإوزة التي تبيض الذهب موجودة حيث تكون الزروع، فلا حاجة للبحث عن عميل آخر ما دام هناك عميل يعرفني ويثق بالمنتج الذي أقدمه.
عبر الكتاب استفدت بأنه حتى وإن بسّط الكاتب الفكرة في العملية البيعية، إلا أنها في الأصل طريقة يجب أن يتمتع فيها الشخص بذهنية النَّفَس الطويل، وهي عقلية المزارع الذي ربما يريد نوعًا معينًا من الفاكهة التي لا تظهر على سطح الأرض إلا بعد سنتين أو ثلاث من الممارسة المقصودة والمستمرة.
كتاب كل المسوقين يكذبون:
في هذا الكتاب يسعى سيث غودين إلى فهم كيف يفكّر المستهلكون في العالم، فمن خلال ذلك يمكن خلق القصة التي يرغب بها العميل وتوافق وجهة نظره. فحينما يظن العميل أن قيادة سيارة فارهة هي علامة نجاح، وجب على المسوّق الناجح حكاية القصة التي تغذّي مثل هذا الإحساس لدى العميل.
فتكلفة تغيير رأي عميل تجاه شيء ما يشعر به هي خسارة مضمونة، فكل ما عليك العمل عليه كمسوّق هو أن تحيك المعنى أو «القصة» التي ترضي العميل، ومنها تنشأ رابطة الثقة والشعور بالرضا، وبالتالي إكمال عملية الشراء.
استفدت من الكتاب بأن القصة وخلق شعور من الألفة والمعنى، حتى في الكتابة، أمرٌ لا بد منه؛ ففي حقيقة الأمر لا يكذب المسوّق صراحة، إنما يُغذّي شعور المعنى الذي يريده العميل ويحبه ويصدقه تمامًا، لذا متى ما نجحت في خلق المعنى بالأسلوب القصصي فقد نلت مرادك.
وبينما كانت هذه الكتب الثلاثة الأولى تدريبًا ذهنيًا على فهم السوق والسلوك وكيف تُصنع القرارات، جاءت بقية قراءاتي في عام 2025م لتعيدني إلى الإنسان حين يُجرَّد من الأدوار ومن القوة ومن السيطرة، ويُترك وجهًا لوجه أمام الألم، والمرض، والزمن، والمعنى!
يوميات متلصص القوقعة:
وافقت قراءة هذه اليوميات لمصطفى خليفة سقوط نظام بشار الأسد ورؤية السجون، وفرحة الأهالي بالفرج المختلط بسنوات من العمر التي ضاعت دون رجعة.
على الرغم من قلة الأماكن في الرواية، إلا أنك بعد الفراغ منها ستظل عالقة في ذهنك؛ فمصطفى خليفة مخرج وملحد ومسيحي الهوية، وقد قضى حياته التعليمية في ثمانينيات القرن الماضي في فرنسا، وما إن وطأت قدماه مطار دمشق، حتى اقتادته السلطات السورية، في زمن حافظ الأسد، إلى السجن الذي يغصّ بالعديد من المنتمين إلى الإخوان المسلمين في صحارى مقفرة.
العجيب أنه شاهد عمليات الإعدام، وشارك الطعام، وتعرّض للضرب والسحل، وأخيرًا أُفرج عنه بعد 13 عامًا، ولكنك مع صفحات الكتاب الأخيرة تشعر بأنه خاوٍ تمامًا، وقد مات بالفعل بمجرد انعتاقه من السجن.
رواية، في ظني، سوداء وتحكي عن حقبة زمنية مظلمة لا تتمناها لشعب عظيم مثل الشعب السوري، الذي سيرى النور بإذن الله في المستقبل القريب.
كتاب أمة الدوبامين:
هذا الكتاب ليمبكي أعجبني وإن كانت الفكرة مختزلة في هرمون الدوبامين دون غيره، إلا أنه يحكي واقعًا إدمانيًا مرعبًا.
تبقى القاعدة العلاجية فيه للانعتاق من فكرة الإدمان فكرة ذات شجون؛ فإن كنت تستمتع بدوبامين سريع، مثل التصفّح على جوالك المحمول، فإن مشاعر الندم ستتمكن منك، شئت أم أبيت، وخلال وقت قصير.
ولعلاج ذلك عليك بعملية موازنة من الألم المقصود، مثل ممارسة الرياضة أو الإنتاجية بالكتابة أو التفكير وخلافه. ونعم، ستشعر بألم، ولكن ما سيعقبه شعور مفعم بالسعادة بعد ذلك.
سجناء الجغرافيا:
أعتقد بأن الكاتب كان عن قصد أو غير قصد يبيّن لنا قوة أمريكا؛ فالكتاب يحكي كيف أن التفكير الجيوسياسي (الجغرافيا السياسية) يلعب دورًا محوريًا في علاقة الدول بعضها ببعض.
فالكاتب سوّق كثيرًا لفكرة أن أمريكا ستبقى الأعظم؛ لأنها تملك قواعد عسكرية في مختلف الأماكن الحساسة في العالم، سواء في اليابان أو كوريا الجنوبية أو الشرق الأوسط.
بينما دولة كبيرة مثل روسيا لا تزال محدودة القوة؛ لأنها تفككت في التسعينيات الميلادية، مما يعني صعوبة الوصول إلى المياه الدافئة التي تضمن لها حركة السفن والسيطرة على البحيرات والمحيطات.
وإن كانت روسيا تسعى لشيء في أوكرانيا، فلا يعدو ذلك كونه الوصول إلى شبه جزيرة القرم، ومنها الاقتراب أكثر من دول أوروبا.
الكتاب فيه تفسير للعديد من النزاعات العالمية التي محورها الأراضي والبحيرات والمعادن النفيسة والنفط وخلافه.
أنا قادم أيها الضوء:
في هذه السيرة الذاتية يصطحبك محمد أبو الغيط في رحلة تشخيصه بالمرض السرطاني الذي استشرى في جسده، ومنها حكاية مليئة بالألم؛ فأنت ستكون مع أبو الغيط في منزله وحديقته، ومواعيد زيارته لأخذ العلاجات الكيماوية، ومشاعر مختلطة ما بين البكاء والحزن والتأسي على الماضي، ووجود امرأة حديدية إلى جانبه.
من خلال تصفحك للكتاب ستعجب من إصرار أبو الغيط على إكمال الكتاب حتى ساعة موته، وكيف أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء دون أدنى شك.
ليلة سبتمبر:
فقد حكت عمّا عانته في الغيبوبة في المستشفى الذي أعمل به في مدينة الملك سعود الطبية، وبشكل شبه أسبوعي أمرّ بالعناية المركزة، وأرى المرضى الذين هم بين الحياة والموت.
فخلود أوضحت لي بأن المريض يشعر بمن حوله، حتى وإن كان مغمض العينين، إلا أنه يشعر بمن حوله، وقد يعتصره الألم دون أن يتمكن من التعبير بالصياح أو التنديد بالرفض. وهي محاولة رائعة تشرح فيها معاناة ما ألمّ بها في الحادث، وكيف نجت منه بأعجوبة، وبألم نفسي ومعنوي صاحبها لسنين لاحقة.
مسألة موت وحياة:
آخر كتاب قرأته في هذه السنة كان لكل من مارلين وإرف يالوم، وكان السبب الداعي لكتابة هذه السيرة الذاتية التي شملت الزوجين أن مارلين أُصيبت بالسرطان، وهي الأستاذة في علم اللغات، وقد قررت أن تكتب عن تجربة مرضها، ودعت في ذلك عالم النفس زوجها إرف ليقوم بكتابة فصل، وهو يكمل الفصل الذي يليه، حتى وافتها المنية مارلين قبل إنهاء الكتاب.
خلال صفحات الكتاب ستجد بأن رباطة جأش مارلين كبيرة للغاية، بل إنها أقبلت على الموت بعد رفضها استكمال العلاجات الحيوية والكيماوية، وموافقتها على العلاج التلطيفي الذي جعلها تموت منتحرة برغبة منها وبموافقة جميع أفراد أسرتها. فقبل أن تموت تبرعت بمكتبها وكتبها وأبحاثها لجامعة ستانفورد.
بينما بقي إرف، عالم النفس، أسير الخرف الذي يتمكن من ذاكرته يومًا بعد الآخر، فهو، كما يقول على لسانه، ينسى كل الأحداث، ولا يذكّره بتجاربه سوى مارلين. ولكن المثير أنه بعد موتها عانى ما كان يعالج به مرضاه، فلاقى ويلات الوحدة والاكتئاب الشديد، ولم يخرج منها سوى بعد ثلاثة أشهر، بعدما عاد يقرأ في العديد من مؤلفاته التي نسيها، واستعاد ذكراها لكي يُشفى من اكتئابه الحاد.
كتاب زيدان:
في صفحات السيرة الذاتية للاعب الفرنسي زين الدين زيدان، تعرّفت عن قرب إلى ما تخفيه ملامحه الباردة، وكيف أنه قرر في العديد من المرات الاعتزال بسبب الإصابات التي ضربت جسده، إلا أنه كان يعاود الوقوف في كل مرة ليكون أيقونة كروية عرفها التاريخ.
تلمّست من قصته علاقته المستقرة مع أسرته وأبنائه، ومع الرئيس فلورنتينو، وعندها فهمت بأن سر النجاح الذي حققه في حياته هو قربه اللصيق بعائلته واهتمامه بشؤونهم، وهو ما جعله لاحقًا مدربًا ناجحًا مع ريال مدريد، ومن يدري، ربما في المستقبل القريب يحصل على كأس العالم مع فرنسا من على مقاعد الاحتياط.
في عام 2025م لم تكن قراءتي كثيرة عددًا، لكنها كانت أثقل أثرًا. بعض هذه الكتب درّبني على الفهم، وبعضها واجهني بنفسي، وبعضها ذكّرني بأن الإنسان لا يُقاس بما يحققه، بل بما يتحمله في حقيقة الأمر وبما يبقى منه حين تسقط الألقاب والضجيج.
ربما لم أخرج من هذه السنة بقائمة طويلة من الكتب، لكني خرجت بوعي أهدأ، ونظرة أوسع، وقناعة أعمق بأن القراءة الحقيقية ليست فيما نُنهيه من صفحات بل فيما لا يغادرنا بعدها من معنى ووعي وأثر.
إن كنت قد قرأت أحد هذه الكتب خلال العام، أو كان لك مسار قرائي مختلف في 2025م، يسعدني أن تشاركني تجربتك في التعليقات: ما الكتاب الذي بقي معك بعد أن أغلقته؟ ولماذا؟












عدد ممتاز 👏 سأضيف الكتب المتعلقة بالتسويق إلى قائمة قراءاتي في بداية العام.